عبد الرحمن حسن حبنكه الميداني
98
معارج التفكر ودقائق التدبر
ومرّ به « الحارث بن الطّلاطلة » فأشار إلى رأسه فامتخط قيحا فقتله . انتهى . فكفى اللّه عزّ وجلّ رسوله هؤلاء المستهزئين الكبار من قومه بعاهات خاصّة أهلكهم بها ، وامتنّ على رسوله بذلك ، إذ كانوا يزعجونه ويحزنونه بما يبلغه من استهزاءاتهم ذوات الأثر الصّادّ عنه وعن دعوته ، على أنّ كثيرا من المشركين ما زالوا يستهزئون به . وأبان اللّه عزّ وجلّ كفرهم الشّركيّ بأنّهم يجعلون مع اللّه إلها آخر ، افتراء عليه ، وضلالا مبينا ، وتوعدهم بما سوف يلاقونه يوم الدّين ، من عذاب أليم جزاء كفرهم واستهزائهم برسوله ، في نار جهنّم ، بقوله تعالى : فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ أي : فسوف يعلمون صدق إنذارات الرّسول لهم . * قول اللّه تعالى لرسوله في الوصيّة الثامنة مع التّوطئة لها : وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِما يَقُولُونَ ( 97 ) فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ ( 98 ) : يؤكّد اللّه عزّ وجلّ لرسوله بعبارة لَقَدْ مع مخاطبته له بضمير المتكلّم العظيم ، أنّه جلّ جلاله وأحاط علمه بكلّ شيء ، يعلم حتّى ما يحدث في صدور عباده من انقباض نفسيّ وضيق بأيّ سبب من الأسباب ، ومنها ما يقول النّاس من مزعجات وأقوال غير مستحبّات في نفس من قيلت فيه ، لما فيها من غمز أو لمز أو تجريح . فأوصى اللّه عزّ وجلّ رسوله بوصيّة فيها دواء دينيّ يشتمل على أمرين : الأمر الأول : أن يسبّح بحمد ربّه ، أي : أن يردّد في ذكره لربّه عبارة : « سبحان اللّه وبحمده » وهي اختصار لعبارة : أسبّح سبحان اللّه ، وأحمد اللّه بحمده لنفسه : أي : أنا لا أستطيع أن أستوفي حقّ اللّه من التّسبيح ، وأنا مهما حمدت اللّه فلا أستطيع أن أحصي الثّناء عليه بما يستحقّ ، فأسبّح سبحان اللّه لنفسه ، وأحمده بما أثنى به على نفسه .